بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 9 أغسطس 2014

إتجاه طبي جديد أم عنصرية مستترة ؟

         أدى نزول دواء " بي ديل " الى الاسواق ، الى اثارة جدل حامي ، في وسائل الاعلام بين مجموعات مختلفة من الاطباء وعلماء الوراثة والاجتماع وروابط منظمات الحقوق المدنية. ولم يكن كل هذا الجدل الذي لم يتوقف حتى يومنا هذا لعيب في الدواء نفسه ، بل لانه خصص للاستخدام من قبل السود فقط !

 ودواء " بي ديل " (BiDil ) هو خليط من دوائين معروفين منذ زمن طويل . وكانت الابحاث المبدئية التي اجريت على عينات مختلطة من المرضي ، قد اخفقت في اثبات فاعلية الدواء كعلاج لفشل القلب. غير ان احدى الدراسات المتاخرة اكتشفت، فاعليته الاستثنائية عند الامريكيين من اصل افريقي فقط ، وهو الامر الذي اكدته الابحاث الاضافية التي اجريت في وقت لاحق. ولهذا الاعتبار حصل العقار على موافقة ادارة الغذاء والدواء الامريكية ( FDA ) لعلاج سود البشرة فقط، واصبح متوفرا في الاسواق منذ العام 2005 .

  وفي الحقيقة ، فهذه كانت المرة الاولى منذ اكثر من 30 سنة ، التي تخرج فيها هذه الادارة عن سياستها في عدم وضع آية حدود عرقية ، عند اعطاء الموافقة على طرح دواء ما في الاسواق . وهو المنهج ذاته ، الذي لا يزال متبعا – حتی الان - في اوربا واليابان. ومن المعروف ان الادارة المذكورة ، هي اهم جهة في العالم ، تختص بالموافقة على طرح الادوية الجديدة ومراقبتها.

للضجة اسبابها:

         أثارت طريقة الترخيص بطرح الدواء ما اثارت في موضوع السلالات و الاعراق البشرية، وهو مجال مملوء بالالغام اصلا، لما يشتمل عليه من اسقاطات قضايا التفرقة والتمييز ، وارث تاريخي مخجل لا يرغب الكثيرون في اعادة نبشه. ويقلق المتذمرون ربط الموافقة على طرح الدواء ، بسلالة عرقية معينة. ولهذا فهناك امكانية ان تجري شركات الادوية في المستقبل ابحاثها المهمة على البيض دون غيرهم، لانهم الزبائن المحتملون للادوية الغالية الثمن، وبالتالى فقد تصبح اغلب الادوية التي تطرح في المستقبل مخصصة لهم فقط . و هذا الامر سيزيد في نهاية المطاف من مستوی التمييز ضد الملونين.

وحسب تعليق رئيس الجمعية الامريكية لعلم الاجتماع: " فان من يبحث في الاختلافات البيولوجية بين السلالات ، إنما يهدف لتزويد العنصريين بحجج جديدة ". وهو يريد بهذا التذكير ، بانه كان من العادة توجيه اللوم الى المتسببين في التمميز العنصري في القطاع الصحي ، لانه لم يكن بمقدورهم تبريره إلا بالشعور بالتفوق العرقي ، اما بعد حقبة دواء " بي ديل " فقد لاتعد تعوزهم الذريعة ، التي يمكنهم التعلل بها في عدم صرف دواء غالي الثمن لملون ، و ذلك بالقول بكل بساطة : " انها لم تصرح للاستخدام من قبل السود! ".

و يعارض البعض اتجاه ادارة الدواء والغذاء الاخير ، لانه ينحاز الى نتائج الدراسات العلمية، التي تاخذ في اعتباراتها الفروق العرقية في الاستجابة لتاثير الادوية ، ويتجاهل الكم الكبير من الدراسات التي تفيد بان الاختلاف في الاستجابة للعلاج بين مختلف الاعراق، ماهو إلا نتيجة للتمييز في تقديم الخدمات والرعاية الصحية ، من بين عوامل أخرى متعددة. وهذا ما حدا بالبعض الى القول بان قضية دواء "بي ديل" ، هي مثال صارخ على كيفية اهمال العوامل الاجتماعية والثقافية في نشوء الامراض لصالح ادعاءات تتعلق بالسلالة .

ومن ناحيته كتب الباحث تروي دوستر ( Duster ) ، بان هذا "الطب العرقي" ما هو إلا عنصرية مستترة ، لان السلالة أو العرق ليست نظام بيولوجي ولكنها تركيب اجتماعي . وفي مقال " بي ديل : طب عرقي أم تسويق عرقي " تساءل سانكر ( Sankar ) و خان (Kahn ) عما إذا كانت خطوة ادارة الغذاء والدواء هي خطوة باتجاه الامام في الطب، أم هي تراجع في الحرب على التمييز العرقي في مؤسسات الخدمات الصحية. أما هوفر (Hoover ) ، فقد مضى في احتجاجاته الى ابعد من ذلك ، عندما كتب: " خلال قرون عديدة ، استخدمت الحكومات الاستعمارية بعض خصائص الاعراق والسلالات البشرية لاستعباد الملونين والتحكم في مصائرهم ، وعلماء اليوم يحاولون القيام بترتيب - طبيعي - مصطنع للاشياء لمد السياسيين بحجج، تؤيد الهيمنة والتقسيم العرقي والتحكم".

المؤيدون:       

في الحقيقة ، تتماشي تبريرات ادارة الغذاء والدواء لموافقتها بطرح دواء "بي ديل" بهذا الشكل ، مع المعتقد السائد حاليا في اوساط علماء الوراثة الامريكيين، الذي يقوم على تضخيم دور الوراثة ، وبالتالى السلالة العرقية في الاستجابة للدواء. ويقف هذا المعتقد ، الى الجهة الاخری، من الرأي الذي يقر بان الاختلاف في الاستجابة للدواء ما هو إلا نتيجة للتاثير المتبادل بين العوامل الاقتصادية ، الاجتماعية ، البيئية و الوراثية. ومن ناحيته ، يرى عالم الجينات البشرية جيروم روتر ( Rotter ) ، انه من الخطاء تجاهل تاثيرات سلالة المريض العرقية. أما زميله في نفس المجال ، المدعو فرانسيس كولينز ( Collins ) فقد حاول دحض علاقة الامر بالعنصرية ، بقوله ان الخبراء يبحثون عن الاسس البيولوجية للاختلاف ، لكي يتمكنوا من تحسين علاج كل فرد بعينه . وحسب رأي هذا الآخير ، فان : " الاعتقاد بانه ليس للسلالات والاعراق اساس بيولوجي ، لم يعد يؤخذ على محمل الجد حاليا".

المحايدون:

         ويبدو من المقالات المنشورة ، بان هناك من يعتقدون بان المصلحة تقع في منتصف المسافة بين حجج المجموعتين المتخاصمين. ومن بين هؤلاء من يقول بانه رغم استهجانه لطريقة الترخيص للدواء، إلا أن هذا يجب ان لا يكون سببا في حرمان هذه الشريحة من الناس من دواء فعال. وقد ذكر تمبل ( Temple ) و ستوكبريدج ( Stockbridge ) في مقال لهما ، انه من الجيد أن اتخذت الادارة المذكورة قرارها هذا ، حتى برغم عدم قدرتها على تبريره بشكل افضل ، لانها بهذا لن تحرم الملونين من فائدة العقار، بدلا من الانتظار حتى اكتشاف تفسير آخر لتاثيره المحمود. ومن جانبه أكد كون ( Cohn )، على الحساسية العرقية للموضوع ، لانه رغم اعتقاده بان : " تحديد السلالة والطائفة الاثنية هو وسيلة نافعة لتحديد الاختلافات في آليات حدوث المرض والاستجابة للعلاج ، إلا أن هذا لا يجنبها خطيئة تصنيف المجتمع على اساس عرقي ".

المستقبل المجهول:

       وهكذا أدى التصريح لدواء بي ديل ، لوقوع ادارة الغذاء والدواء الامريكية بين سندان المؤيدون من علماء الوراثة والبيولوجيا من ناحية ، و مطرقة علماء الاجتماع وباقي المعارضين من الناحية الآخرى. و كما يبدو، فان الجدل الذي اثارته هذه الحادثة سيبقى حاميا ، بعد اعلنت بعض شركات الادوية الكبری مؤخرا ، عن رغبتها في اختبار فاعلية بعض ادويتها ، على سلالات عرقية بعينها ، دون الاخرى.

د. أحمد عبد السلام بن طاهر
.Dr.med. Ahmed A. Ben Taher
استشاري أول طب الروماتيزم. سنة التخصص 1990.
متحصل على شهادة البورد وعلى شهادة الدكتوراة .PhD  في طب الروماتيزم
شارك في تاليف مرجع الروماتيزم ألالماني الصادر سنة 2001 و 2008
للاستشارات عن طريق الواتس اب والتيليغرام : 0928665810 (ليبيا)
https://aliada2.blogspot.com/ 


 ___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 
 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر.



المراجع (References):
   

B1.  Bibbins-Domingo, K. & Fernandez, A. (2007): BiDil for heart failure in black patients: implications of the U.S. Food and Drug Administration approval.. Ann Intern Med, 146, 52-6.
2. Brody, H. & Hunt, L.M. (2006): BiDil: assessing a race-based pharmaceutical.. Ann Fam Med, 4, 556-60.
3. Carlson, R. J. (2005): The case of BiDil: a policy commentary on race and genetics.. Health Aff (Millwood), Suppl Web Exclusives, W5-464-8.
4. Carmody, M. S. & Anderson, J.R. (2007): BiDil (isosorbide dinitrate and hydralazine): a new fixed-dose combination of two older medications for the treatment of heart failure in black patients.. Cardiol Rev, 15, 46-53.
5. Cohn, J. N. (2006): The use of race and ethnicity in medicine: lessons from the African-American Heart Failure Trial.. J Law Med Ethics, 34, 552-4, 480.
6. Duster, T. (2005): Medicine. Race and reification in science.. Science, 307, 1050-1.
7. Duster, T. (2007): Medicalisation of race.. Lancet, 369, 702-4.
8. . Hoover, E. L. (2007): There is no scientific rationale for race-based research.. J Natl Med Assoc, 99, 690-2.
9. Temple, R. & Stockbridge, N.L. (2007): BiDil for heart failure in black patients: The U.S. Food and Drug Administration perspective.. Ann Intern Med, 146, 57-62.
10. Puckrein, G. (2006): BiDil: from another vantage point.. Health Aff (Millwood), 25, w368-74.
11. Sankar, P. & Kahn, J. (2005): BiDil: race medicine or race marketing?. Health Aff (Millwood), Suppl Web Exclusives, W5-455-63.
12. ELLISON, G. T. H., KAUFMAN, J. S., HEAD, R. F., MARTIN, P. A. & KAHN, J.D. (2008): Flaws in the U.S. Food and Drug Administration's rationale for supporting the development and approval of BiDil as a treatment for heart failure only in black patients. The Journal of law, medicine & ethics : a journal of the American Society of Law, Medicine & Ethics, 36, 449-57.
13. KAHN, J. (2008): Exploiting race in drug development: BiDil's interim model of pharmacogenomics. Social studies of science, 38, 737-58.




















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق