بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 15 أغسطس 2014

تقديم كتاب " متعة اكتشاف الأشياء "

        كيف يفكر عباقرة العلم ، وكيف نعين اطفالنا على تطوير مهارة التفكير المبدع؟ الاجابة على مثل هذا السؤال الذي قد يخطر على بال بعضنا ، هو ما نحصل عليه بشكل غير مباشرة من مطالعتنا لكتاب " متعة اكتشاف الاشياء" من تعريب ابتسام الخضراء ونشر مكتبة العبيكان ( 2005 ) . والكتاب عبارة عن تجميع لمجموعة من أعمال الفيزيائي الامريكي ريتشارد فاينمان ( Richard Feynman ) الحاصل على جائزة نوبل سنة 1965 عن دراساته في مجال فيزياء ميكانيا الكم ( Quantum ).

ويعتبر فاينمان الذي توفي سنة 1988 ، أيقونة شارحي العلم للعامة، حتى انه اصبح ظاهرة يطلق عليها البعض اسم " الهوس بفاينمان ". ويرجع هذا لقدرته على تبسيط اعقد الافكار بشكل فكاهي مميز ، لكي يسهل فهمها من قبل الجمهور العادي.

فصول الكتاب

               يقع الكتاب في 13 فصلا ، تحتوي على مجموعة من المحاضرات وبعض اللقاءات كما تضم التقرير الخاص بتحليله لاسباب تحطم مكوك الفضاء تشالنجر ( Challenger ) ، بصفته رئيس لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة الامريكية آنذاك، لدراسة اسباب الكارثة.

وتلقي فصول الكتاب الضوء على بعض أوجه الشخصية المعقدة لهذا الفيزيائي . و تنقلنا السطور إلى اجواء محاضرات ولقاءات فاينمان ، لنشاركه متعة اخذ الامور بفكاهة وقلب الافكار راسا على عقب ، كاننا امام عرض ، يلعب فيه دور العبقري والمهرج متنقلا من بين الدورين بسلالة لا تدرك إلا بعد حين. كما تكشف لنا المحاضرات عن اهتمام هذا الفيزيائي بالكثير من المجالات التي تتخطى الحدود المالوفة لتخصصه، حيث تاخذنا احداها إلى اليابان لنجده يقدم اقتراحات لحل بعض مشاكل الكومبيوترات الفائقة الاداء. كما ننتقل مع الكتاب إلي سنة 1959 ، لنشهد ولادة " تقنية ثورية جديدة " على يد فاينمان ، خلال محاضرته الشهيرة التي ناقش فيها فكرته عن امكانية التصغير البالغ للاشياء ، وهو الامر الذي يعرف الآن باسم " تقنية النانو " . وقد وصف فاينمان هذه التقنية بانها ممكنة ، و تعهد وقتها باعطاء جائزة لاول من يتمكن من تحقيقها عمليا.


و يتطرق الكتاب إلي احدى المحطات الرئيسية في حياة فاينمان ، ونقصد بهذا دوره في صنع القنبلة الذرية الاولى في لوس الاموس (Los Alamos ) المحاط بالسرية، لنتعرف على ذكريات فاينمان عن تلك الحقبة وملابساتها . و لا يفوت فاينمان ان يخبرنا في اكثر من موضع ، عن الدروس التي تعلمها من والده حول متعة اكتشاف الاشياء ، لنكتشف ان ما جعل من منه عالما غير عادي ، هو فضوله الطفولي ، و ادمانه التفكير في كيفية عمل الاشياء ، وهي السلوك الذي يكافئ أصحابه باللذة و بهجة الحصول على الكثير من الاسئلة والشكوك الجديدة.


أسلوب الكتاب

            وبعض فصول الكتاب ذات اسلوب سردي محض ، وبعضها الاخر ذو صبغة اكثر تقنية . وقد اعد الكتاب عن تسجيل لمحاضرات ولقاءات بصورتها الاصلية وبدون تنقيح و اعداد للنشر المطبوع، وهو الامر الذي لا يخفيه الناشر . وبالرغم من نجاح الكتاب في تقديم فكر فاينمان وهو يعمل ، بدون رتوش ، إلا ان هذه "المباشرة " هي نقطة الضعف الرئيسية في الكتاب. فاسلوب فاينمان وهو منطلق على سجيته يتميز بالحماسة التي تجعله يكرر بعض الافكار اكثر من مرة ويتجاوز بعض الافكار الاخرى المهمة بسرعة نتيجة لمعرفته للمستوي الثقافي لمن يستمعون اليه مباشرة . ولعل اكثر الاجزاء وضوحا في الكتاب ، هو التقرير حول كارثة تشالنجر.

و لاتعطي الحواشي شرحا كافيا حول المصطلحات التي تشملها فصول الكتاب، مما يزيد من صعوبة مطالعته. كما تقع احدى الحواشي - اسفل صفحة 67 - في خطا تاريخي عندما تذكر ان الحركة البراونية اكتشفت سنة 1928 من قبل روبرت براون ،  بينما يرجع هذا الاكتشاف إلى سنة 1827 .

وبالرغم من ان بعض المواضيع ترجع إلي اكثر من اربعة عقود مضت، الا انها لاتزال صالحة للنقاش حتى اليوم. و حتى وان كانت بعض محطات الكتاب بعيدة عن اهتمامات القاري غير المتخصص ، فلا يجب ان يعد هذا عقبة امام التمتع بمطالعة الكتاب، لان بعضا من عبقرية فاينمان تتجلى في قدرته على تبسيط اعقد الافكار العلمية.

د. أحمد عبد السلام بن طاهر
أستشاري بقسم الأمراض الباطنة والروماتيزم في مستشفى أويرباخ في المانيا، ورئيس منتدب لقسم أمراض الروماتيزم بمستشفى "قريف" في بولندا، سابقا.
شارك في تأليف مرجع الروماتيزم الألماني الصادر سنة 2001 و 2008
متحصل على شهادة البورد وعلى شهادة الدكتوراة .PhD في طب الروماتيزم
استشاري أول طب الروماتيزم . سنة الحصول على درجة التخصص 1990
متحصل على شهادة البكارليوس في الطب والجراحة عام 1984م.
للاستشارات عن طريق الواتس اب والتيليغرام : 0928665810 (ليبيا)
الايميل: alregwa@gmail.com  

___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 
 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر

الخميس، 14 أغسطس 2014

نقص افراز الغذة الدرقية

          تدعى حالة نقص افراز الغدة الدرقية باسم قصور الدرقية (Hypothyroidism ) ، وفيها تنخفض مستويات عمليات الاستقلاب التي تظهر على هيئة شعور بالبرودة ، وبطء ضربات القلب. ويعاني المرضي من الامساك وبطء الحركة و ردود الافعال، كما ينخفض فيها مستوى القدرات العقلية للمصاب من بين اعراض وشكاوي اخرى مختلفة، قد تطال حتى الجهاز الحركي و الشعر والاظافر . وتترافق هذه الحالة عادة مع غلاظة وتورم الجلد وهي الحالة التي تسمى الوذمة المخاطية ( myxedema) . وعند الاصابة بقصور الدرقية عند المواليد ، يؤدي عدم العلاج المبكر الي حالة من التخلف المسمى الفدامة (cretinism ) والتي تعني خلل التطور بسبب درقي (الغدة الدرقية ).

د. أحمد عبد السلام بن طاهر
.Dr.med. Ahmed A. Ben Taher
استشاري أول طب الروماتيزم. سنة التخصص 1990.
متحصل على شهادة البورد وعلى شهادة الدكتوراة .PhD  في طب الروماتيزم
شارك في تاليف مرجع الروماتيزم ألالماني الصادر سنة 2001 و 2008
للاستشارات عن طريق الواتس اب والتيليغرام : 0928665810 (ليبيا)   

___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 

 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر

نحن واليابان

          قرأت بإعجاب مقال د. سليمان ابراهيم العسكري " نحن واليابان... نظرة عربية جديدة إلى الشرق " المنشور في عدد فبراير 2008 من مجلة العربي، وأتفق معه على فائدة التعاون مع هذا البلد العملاق في مجال التعليم .

مشكلة اللغة اليابانية:

         غير ان هذا التعاون يحتاج إلى تجاوز عقبة ضخمة اسمها اللغة اليابانية. فالتمكن من هذه اللغة بشكل كاف يحتاج الى الانتظام في الدراسة لسنوات عديدة ، ولا يكفي التزود باللغة الانجليزية وحدها. و تشكل صعوبة اللغة اليابانية مشكلة لأصحابها أنفسهم ، وتقف خلف ضعف صادراتهم الثقافية والعلمية على الرغم من وفرة الاسماء العظيمة عندهم في كل مجالات الثقافة والعلم. و لهذا فاليابان ، كما يقول المفكر " الفن توفلر " :" متخلفة عن الولايات المتحدة في أهم مجال من مجالات التنافس على السلطة والقوة ، أي مجال إنتاج ونشر الأفكار والمعلومات والصور الانطباعية ".

لزوم وجود خطة للتعاون مع اليابان:

         وتعاني بلاد الشمس المشرقة ، قلة الوافدين اليها للدراسة مقارنة بأعداد من يغادرونها للدراسة في الغرب. ولهذا فالاتجاه نحو اليابان يستلزم وجود خطة متكاملة، تعنى أولا بإدخال اللغة اليابانية إلى نظم التعليم العربية. وهذا سيؤدي إلى جعل الدراسة في اليابان منافسة للدراسة في الدول الناطقة بالإنجليزية أو الفرنسية . كما سيفيد في تعميق العلاقات الثنائية و يمد جسور فهم الآخر بين العرب واليابانيين على السواء . وسيسعد هذا اليابانيين بالتأكيد ، وسيؤكد على جدية العرب في الحصول على مساعداتهم الثقافية والعلمية . وليس سراً أن هناك جدلا كبيرا يدور بين الصفوة في اليابان بشأن الدور المفترض ان يلعبه بلدهم على المستوي العالمي . وتقترح ألكثير من الاصوات هناك، بان تركز اليابان على مد تأثيرها الثقافي والعلمي إلى الدول النامية أينما كانت، كما ذكر توفلر .

لزوم الانتقائية للاستفادة من العلم الياباني:

         وبالطبع ليس لنا هنا إلا أن نذكر بأن تكون الاستفادة من العلم الياباني إنتقائية، و ذلك بالتركيز على المجالات التي تتفوق فيها اليابان، كالموصلية الفائقة و الشرائح الالكترونية وتقنيات الاتمتة الآلية و الانسان الآلى .أما فيما عدا ذلك ، فيفتقر نظام التعليم الياباني بشكل لا مجال لإنكاره إلى الجودة العالية التي تتمتع بها السلع الاستهلاكية اليابانية. وفي الواقع فان هذه الاستراتيجية الانتقائية هي ذاتها التي استخدمتها اليابان لتتشرب العلوم والتقنيات التي تعوزها في فترة الاصلاحات الثورية للإمبراطور ميجي ( 1868 ) ، التي أثمرت الموقع الياباني الحالى على خارطة العالم والتاريخ. فقد أرسل الطلبة اليابانيون آنذاك إلى بلدان اوربية بعينها، ليدرسوا العلوم التي تتفوق فيها كل منها على غيرها . وهنا يمكننا ان نلخص ثنائية المعادلة التي مهدت طريق اليابان نحو المستقبل : الارادة السياسية الصادقة والتخطيط المتكامل للوصول إلى الهدف المحدد جيدا .

هناك تشابه بين العرب واليابانيين:

         أما ما يشدد عليه البعض ، بخصوص الدور المركزي للعامل البشري في تجربة اليابان، أي أهمية الخصائص الفريدة لهذا الشعب ، فاعتقد أنه اقل أهمية من أطراف معادلتنا السابقة. و حتى في هذا الجانب لدينا نحن العرب الكثير من الأوجه النفسية والفكرية المشتركة مع اليابانيين. فمن ناحية يتشابه تأثير إرثنا القبلي من نواحيه الاجتماعية والفكرية إلى حد بعيد مع الإرث الإقطاعي الذي يحتل مكانا حصينا في العقلية اليابانية حتى اليوم. و لا ننسي الموقع الباهر الذي تصدره الشعر في الثقافتين العربية واليابانية . و إذا لم يكن هذا كافياً ، فما بالك بالتعلق بالماضي والتقاليد الذي يتشارك فيه الاثنين. ورغم تشابه معاناة مفكري الشعبين من مرارة احداث التاريخ السابقة، التي تضل كابوساً عابثا بأرواحهم ، الا أن الامر لا يصل إلى ذروته الدرامية إلا عند اليابانيين. وهذا ما وصفه " غابرييل غارسيا ماركيز " ذات مرة في قوله "الحقيقة أني لم أكن أعرف شيئا يقينيا عن الروائيين اليابانيين ، سوی أنهم سينتهون جميعهم، عاجلا أو آجلا ، إلى الانتحار ".

___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 
 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر

الطبيب المقدس!

                  ترى ما الذي يدعو لوجود مزار ديني لطبيب الماني في طوكيو ؟ سألت نفسي هذا السؤال متعجبا ،وأنا أقف امام المزار الصغير الواقع إلى الجنوب من وسط طوكيو . وازدادت دهشتي أكثر لكونه مزارا خاصا بديانة الشنتو ( الشنتوية )، وهو ما دل عليه وجود تمثال لطائر كبير، وباقي الرموز الآخرى الدالة على الحياة الخالدة عند اليابانيين.

الألوهية في ديانة الشنتو:


          قد يبدو الأمر عاديا ، غير لافتا للانتباه لمن لا يعرفون ديانة الشنتو، أما الحقيقة فهذا أمر استثنائي جدا، حتى أنه يصعب تصديقه للوهلة الأولى . ويرجع هذا لكون " الشنتوية " ديانة يابانية خالصة تخص الشعب الياباني بنفسه كعنصر متفرد، وليس لها أي علاقة بكل ما ليس يابانيا حتى النخاع من البشر.

        وتدعى هذه الديانة في اللغة اليابانية القحة باسم "كامي نو ميتشى" (Kami no michi )، وتحتل كلمة "كامي" موقع الصدارة في هذه الديانة ، وتعنى " الوهية " . وكل من يقام له مزار شنتوي ، يعتبر مقدسا ، مما يعني أنه يمكن التقرب إليه بتقديم الأعطية واقامة طقوس العبادة الخاصة، سواء للحصول على منفعة أو للوقاية من الضرر. وفي العادة يكفي أن تحتوي المزارات المذكورة بعضا من الشيء ذو القدسية فقط ، وليس كله كاملا.

... و اذا ، فقد كنت وقتها واقفاً أمام مزار " طبيب مقدس " لاتباع ديانة الشنتو، رغم أنه كان مسيحيا ، ولم يكن حتى يابانيا اصلاً! .... الم يكن لدي كل الحق في دهشتي الكبيرة، و كل علامات الاستغراب التي ارتسمت على وجهي آنذاك ، بينما كان رفيقي الياباني يتامل تعابير وجهي ، منتظرا أن أقول شيئا مفهوما .

الاعجاب الياباني بكوخ:


            - إذا فقد تجاوز اعجابكم بـ روبرت كوخ ( R. Koch ) كل حد ، لدرجة أن أقمتم له مزارا في طوكيو طبقا لديانتكم الخاصة. قلت مرتبكا.

           - انه " كوخ " ياعزيزي ... . قال رفيقي بتأدب بالغ ، وزم شفتيه بطريقة محاربي الساموراي للتأكيد. ثم لم يلبث أن مطهما برقة، وأردف هامسا كمن يفشي سرا خطيرا : " انه تقدير لم يحصل عليه أي أجنبي آخر في تاريخ بلدنا"

كان مرافقي يدري أني – كطبيب - أعرف الكثير عن " كوخ " هذا ، ليس كمكتشف لميكروبات الجمرة الخبيثة و السل والكوليرا، أو لحصوله على جائزة نوبل للطب فحسب، بل لأني اخبرته ذات يوم بعض الأشياء الآخرى عن جاري "روبرت كوخ". في تلك المرة اتسعت عينا رفيقي بشدة وهو يقاطع حديثي صائحا " جارك ... كوخ! " . وقتها أخبرته ضاحكا أني أدعوه " جاري "، منذ أن اكتشفت ذات مرة ، اني أقطن على بعد امتار قليلة ، من أحد مساكنه السابقة.

غير أن حصيلة معلوماتي ، لم تسعفني في الوصول إلى سر تقديس اليابانيون لكوخ. وفي الحقيقة ، لم اتذكر أن "جاري" هذا ، كان قد عمل في اليابان، أو أن لهذا البلد حكاية خاصة مع احدى الامراض التي اكتشفها هذا الطبيب الفذ .

في النهاية طرحت افكاري بشكل موجز ، وتبعتها بالسؤال ... تري هل خانتني الذاكرة ؟ .... كان على رفيقي الاجابة ، فصمت لبرهة ، و انزلق جفناه فغطيا نصفي عينيه تقريبا، فبدا كما لو أنه مريض اعيد إلى الحياة فجاة، بعد عملية انعاش رقيقة.

           - لا .... قال رفيقي ، ... بل كل ما في الامر قصة علاقة انسانية جميلة.

رفاق إلى الابد ! :

          القصة عرفتها بالتفصيل فيما بعد ، بعد مطالعتي ما ذكره عنها الاستاذ الالماني " بيرند فيرنر" ( B. Werner ) في أحد كتبه . فرغم أن "كوخ " لم يعمل في اليابان عليىالاطلاق - كما ذكر الكتاب - إلا أن تقدير اليابانيين له يرجع إلى تفضله بتعليم الكثير من الأطباء اليابانيين أثناء رئاسته لمؤسسة القيصر فيلهلم الطبية في برلين ، عندما كانت اليابان لا تزال بلدا متخلفا، أخذ لتوه يحبو علي بساط الطب الحديث.

           وكما ذكر الاستاذ " فيرنر " فقد أقيم مزار "روبرت كوخ " بناء على أمر " شيباسابورو كيتاساتو" (S. Kitasato)، الذي عمل استاذاً في الجامعة التي تحمل اسمه في طوكيو حاليا. وكان هذا الياباني قد قدم إلى المانيا سنه 1886 ليدرس عند "كوخ" . ولسبب أو لآخر، تعضدت بين الاثنين صداقه تشبه علاقه الأب بابنه خلال السنوات الخمسة التي قضاها " كيتاساتو" في دراسته . وفى سنه 1892 ، غادر هذا الآخير المانيا عائدا إلى وطنه ليصبح عالماً مشهوراً ، بعد اكتشافه الجرثومة المسببة لمرض الطاعون .

         و في سنة 1908 تمكن " كوخ " من زيارة اليابان ، وقضى هناك عدة اسابيع، في ضيافة تلميذه النجيب، كما تمتع بالحفاوة البالغة التي أسبغها عليه هذا الأخير. و لشدة اعجاب التلميذ باستاذه ، حرص على الاحتفاظ بالشعر المتساقط من استاذه في أحد صالونات الحلاقة اليابانية، رغم عدم فهم " كوخ " للمغزى العميق والغير معتاد، الكامن وراء هذا العمل .

          وبعد مرور عامين على الزيارة ، تناهت الأخبار العاجلة إلى بلاد الشمس المشرقة بأن " كوخ " ذهب للقاء ربه، فامر " كيتاساتو" على الفور ، باقامة مزار لاستاذه وضع فيه الشعر الذى جمعه من قبل ، وذلك وفقا لطقوس الديانة الشنتويه الخاصة بالمقدسين. وبعد وفاة " كيتاساتو " سنه 1931 ، أقام له تلامذته هو الآخر مزارا بجانب المزار السابق.

          وحدث أثناء الحرب العالمية الثانية ، أن احترق مثوي " كيتاساتو " نتيجة لانفجار قنبلة . ولهذا نقلت ، بعد نهاية الحرب، بقايا الطبيب لتدفن في مزار "كوخ" ، لكي يرتاح التلميذ قرب استاذه جنبا لجنب. و كان هذا قدرا مدهشا حقا ، فقد سبق لكيتاساتو أن قال في الخطاب التأبيني الذي القاه يوم وفاة استاذه : " سيدي العظيم روبرت كوخ، انك ستظل معي - في فؤادي - إلى الابد" !

د. أحمد عبد السلام بن طاهر
.Dr.med. Ahmed A. Ben Taher
استشاري أول طب الروماتيزم. سنة التخصص 1990.
متحصل على شهادة البورد وعلى شهادة الدكتوراة .PhD  في طب الروماتيزم
شارك في تاليف مرجع الروماتيزم ألالماني الصادر سنة 2001 و 2008
للاستشارات عن طريق الواتس اب والتيليغرام : 0928665810 (ليبيا) 
https://aliada2.blogspot.com/


___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 
 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر

المحطة الاخيرة قبل زرع الوجه كاملا

          خلال الأيام الأولى من شهر ديسمبر 2008، نجح فريق طبي من مستشفي كليفلاند ( Cleveland) الأمريكي في القيام بعملية الزرع الجزئية الاكبر حتى الان، لوجه ماخوذ من سيدة متوفية. وتم خلال العملية التي استغرقت حوالي 23 ساعة ، اعادة تكوين حوالي 80% من وجه المريضة . وكانت هذه السيدة التي لم يعلن عن اسمها ، قد تعرضت الي اصابة شديدة ، أدت الى فقدانها هذا الجزء الكبير من وجهها . كما تسبب الاصابة المذكورة في فقدان المريضة للقدرة على الكلام ، والتواصل الاجتماعي و الاكل العادي ايضا ، هذا بالاضافة الى عدم القدرة على التنفس الا عن طريق انبوب مزروع في عنقها.

وهذه العملية هي الأكبر والاغلى والاكثر تعقيدا بين عمليات الزرع الجزئي للوجه التي أجريت حتى الان ، وقد قام بها فريق طبي كبير تناوب على العمل خلال الوقت الطويل الذي احتاجته عملية تجهيز وربط الاوعية والدموية والاعصاب والعضلات وغيرها. وتعتبر هذه العملية هي أخر المحطات قبل القيام بعملية زرع الوجه الكامل .

و كانت المريضة قد خضعت للعديد من العمليات التصحيحية و الترقيعية خلال السنوات الفائتة بدون أي تحسن يذكر في الوظائف المفقودة ، و ذلك بسبب كبر حجم الجزء المفقود من وجهها، وهو الأمر الذي جعل الاطباء يقررون اجراء هذه العملية الغير معتادة . وبعد أن تحصل الفريق الطبي على الموافقة على إجراء العملية ، كان عليهم الانتظار طويلا للحصول على وجه مناسب من شخص متوفي. والحصول على وجه مناسب لعمليات زرع الوجه ، يعني الأخذ في الاعتبار السن واللون والجنس والتوافق النسيجي، وهي أمور لا تؤخذ كلها في الحسبان في عمليات الزرع الأخرى، كزرع الكلية مثلا. 

هذا و قد اعرب الفريق الطبي عن سروره ، بعد أفاقت المريضة من التخدير وأعطت إشارة تدل على سعادتها البالغة ، بعد انتهائها من تحسس وجهها الجديد المغلف بالضمادات ،واكتشافها وجود انف وفم كامل.

المسكينة حق لها أن تسعد ، فهي قد عرفت أكثر منا جميعا أهمية أن يكون للانسان وجه، لكي يستطيع ان يحيا في هذا العالم، الذي يحتاج فيه البعض الى أكثر من وجه !

د. أحمد عبد السلام بن طاهر
أستشاري بقسم الأمراض الباطنة والروماتيزم في مستشفى أويرباخ في المانيا، ورئيس منتدب لقسم أمراض الروماتيزم بمستشفى "قريف" في بولندا، سابقا.
شارك في تأليف مرجع الروماتيزم الألماني الصادر سنة 2001 و 2008
متحصل على شهادة البورد وعلى شهادة الدكتوراة .PhD في طب الروماتيزم
استشاري أول طب الروماتيزم . سنة الحصول على درجة التخصص 1990
متحصل على شهادة البكارليوس في الطب والجراحة عام 1984م.
للاستشارات عن طريق الواتس اب والتيليغرام : 0928665810 (ليبيا)
الايميل: alregwa@gmail.com  

___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 
 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

القاتل الحلو في الخليج !

         شهدت سنة ( 2006 ) نشر أول دراسة طبية ، تؤكد بشكل قاطع حدوث حالة تسمم رضيع بعسل تجاري ملوث بذيفان السجقية ( botulism toxin ) في دول الخليج العربي. وهذا السم الذي يعتبر أحد اشد السموم المعروفة فتكاً ، تفرزه بكتيريا تلوث العسل في بعض الأحيان، سواء المنتج بطرق تقليدية أو حديثه. وبينما لا تستطيع البكتيريا المسببة أن تتكاثر في أمعاء الكبار في السن، إلا أن الظروف الخاصة في أمعاء الرضع الأقل من سنة عمرا، توفر لها إمكانية التكاثر و افراز سمها الزعاف. ولهذا السبب لا يتسمم الكبار بالعسل الملوث، بل الرضع فقط .

و في السابق ، كان هناك من يشكك في حدوث هذا النوع من التسمم في دول الخليج وباقي الدول العربية ، لعدم توفر ما يؤيد ذلك بالطرق المخبرية المتطورة. ويبدو أن عدم الشك في حدوث هذه الحالات، هو السبب في قلة تشخيص هذا النوع من التسمم في البلدان العربية، ودول العالم الآخرى التي تعاني من نقص وسائل التشخيص. وتظهر اعراض التسمم علی هيئة ارتخاء عضلات الجسم و ازدياد صعوبة التنفس بشكل مضطرد، وسقوط الجفنين . وينتهي من لم تكتب لهم النجاة بالموت اختناقاً خلال وقت قصير ، وهم في حالة شلل عضلي.

وقد تم التعرف علي هذا المرض عند الاطفال لأول مرة ، في نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي . وقد حدث هذا الاكتشاف في الولايات المتحدة الامريكية ، التي وصل عدد الحالات فيها حتی الان لما يزيد علی الالف حالة . هذا وقد اكتشف وجود البكتيريا المذكورة في عينات من العسل تم جمعها من أماكن متفرقة من العالم.

ولهذا أنصح الامهات بعدم غمس مصاصة الفم في العسل ، أو اعطاء العسل بصورته الطبيعية أو مخففاً للرضع اللذين لم تتجاوز اعمارهم السنة ، ليس خوفا من التسبب في التسمم فقط ، بل لامكانية اختناق هؤلاء الصغار بالعسل ايضاً ، نتيجة لعدم نضج آليات البلع عندهم بدرجة كافية .

___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 
 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر

المراجع (References):

1. van der Vorst, M. M. J., Jamal, W., Rotimi, V. O. & Moosa, A. (2006): Infant botulism due to consumption of contaminated commercially prepared honey. First report from the Arabian Gulf States.. Med Princ Pract, 15, 456-8.
2. Schocken-Iturrino, R. P., Carneiro, M. C., Kato, E., Sorbara, J. O., Rossi, O. D. & Gerbasi, L.E. (1999): Study of the presence of the spores of Clostridium botulinum in honey in Brazil.. FEMS Immunol Med Microbiol, 24, 379-82.

3. Tanzi, M. G. & Gabay, M.P. (2002): Association between honey consumption and infant botulism.. Pharmacotherapy, 22, 1479-83.
4. Rall, V. L. M., Bombo, A. J., Lopes, T. F., Carvalho, L. R. & Silva, M.G. (2003): Honey consumption in the state of São Paulo: a risk to human health?. Anaerobe, 9, 299-303.
5. McMaster, P., Piper, S., Schell, D., Gillis, J. & Chong, A. (2000): A taste of honey.. J Paediatr Child Health, 36, 596-7.

مواد فرد الشعر لا تسبب سرطان الثدي

         تكثر الافريقيات، من استخدام مواد فرد الشعر الكيميائية، و ذلك لتسهيل التعامل مع الشعر، والتخلص بشكل مؤقت من التجعيد الوراثي الذي تتميز به شعورهن . وينطبق نفس الشئ علي النساء التي تجري في عروقهن بعضا من الدماء الافريقية ، مثلما هو الحال مع بعض العربيات و نساء الامريكيتين.

وكان الخبراء قد لاحظوا منذ مدة ، ارتفاع معدل الاصابة بسرطان الثدي عند الامريكيات من اصل افريقي ممن لم يتجاوزن الاربعين من العمر مقارنة مع مثيلاتهن من الامريكيات من اصول اوربية . ولم تستطع الدراسات تفسير هذا الاختلاف من خلال دراسة اثر السلالة العرقية و التاريخ المرضي العائلي. ولذا فقد كان من الطبيعي ان يقوم المهتمون بالبحث عن السبب في انماط السلوك المختلفة بين الطائفتين . وهكذا حامت شكوك الخبراء حول مواد فرد الشعر الكيميائية ، التي تدمن علي استعمالها الامريكيات من اصل افريقي . و زاد من هذه الشكوك ، احتمال دخول هذه المواد الي داخل الجسم عبر الجروح والتغيرات الجلدية في فروة الراس، بالاضافة الي قلة دراسة التأثير المسرطن لمواد فرد الشعر ، من قبل جهات المراقبة المشهورة مثل ادارة الغذاء والدواء الامريكية ( FDA )، مثلما هو الحال مع الأدوية .

غير ان دراسة نشرت في عدد مايو 2007 من دورية " ابحاث علم وبائيات السرطان والواصمات البيولوجية والوقاية " جاءت لتنفي بشكل قاطع ( احصائيا ) مشاركة مواد فرد الشعر في التسبب بسرطان الثدي. وقد تابع الباحثون في هذه الدراسة حالة 48167 امريكية من اصل افريقي ، فاتضح لهم تساوي نسبة الاصابة بسرطان الثدي عند من استعملن أي من مستحضرات فرد الشعر سبعة مرات او اكثر في العام لمدة تزيد علي 20 سنة ، مع من استعملن هذه المواد لمدة عام واحد فقط، . وهذا يؤكد عدم وجود اي دور لمواد فرد الشعر في التسبب بهذا النوع من السرطان. غير ان هذا لا ينفي بالطبع تسبب هذه المواد في بعض الاعراض الجانبية كزيادة سرعة تساقط الشعر والشعور بحرقان الجلد والحكة ، و تغير لون الشعر.

___________________________________________________ 
 Copyright© 2014 by Ahmed Abdulsalam Ben Taher 
 حقوق النشر محفوظة © 2014 للمؤلف أحمد عبد السلام بن طاهر